الشوكاني
341
فتح القدير
قوله ( كلا ) ردع وزجر : أي بعيد أن يؤمن الكافر بيوم القيامة ، ثم استأنف ، فقال ( إذا بلغت التراقي ) أي بلغت النفس أو الروح التراقي ، وهي جمع ترقوة ، وهي عظم بين ثغرة النحر والعاتق ، ويكنى ببلوغ النفس التراقي عن الإشفاء على الموت ، ومثله قوله - فلولا إذا بلغت الحلقوم - وقيل معنى " كلا " حقا : أي حقا أن المساق إلى الله إذا لمغت التراقي ، والمقصود تذكيرهم شدة الحال عند نزول الموت . قال دريد بن الصمة : ورب كريهة دافعت عنها * وقد بلغت نفوسهم التراقي ( وقيل من راق ) أي قال من حضر صاحبها من يرقيه ويشتفي برقيته ؟ . قال قتادة : التمسوا له الأطباء فلم يغنوا عنه من قضاء الله شيئا ، وبه قال أبو قلابة ، ومنه قول الشاعر : هل للفتى من بنات الموت من واقى * أم هل له من حمام الموت من راقى وقال أبو الجوزاء : هو من رقى يرقي إذا صعد ، والمعنى : من يرقى بروحه إلى السماء أم ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب ؟ وقيل إنه يقول ذلك ملك الموت ، وذلك أن نفس الكافر تكره الملائكة قربها ( وظن أنه الفراق ) أي وأيقن الذي بلغت روحه التراقي أنه الفراق من الدنيا ومن الأهل والمال والولد ( والتفت الساق بالساق ) أي التفت ساقه بساقه عند نزول الموت به . وقال جمهور المفسرين : المعنى تتابعت عليه الشدائد . وقال الحسن : هما ساقاه إذا التفتا في الكفن . وقال زيد بن أسلم : التفت ساق الكفن بساق الميت ، وقيل ماتت رجلاه ويبست ساقاه ولم تحملاه ، وقد كان جوالا عليهما . وقال الضحاك : اجتمع عليه أمران شديدان : الناس يجهزون جسده ، والملائكة يجهزون روحه . وبه قال ابن زيد . والعرب لا تذكر الساق إلا في الشدائد الكبار ، والمحن العظام ، ومنه قولهم : قامت الحرب على ساق . وقيل الساق الأول تعذيب روحه عند خروج نفسه ، والساق الآخر شدة البعث وما بعده ( إلى ربك يومئذ المساق ) أي إلى خالقك يوم القيامة المرجع ، وذلك جمع العباد إلى الله يساقون إليه ( فلا صدق ولا صلى ) أي لم يصدق بالرسالة ولا بالقرآن ، ولا صلى لربه ، والضمير يرجع إلى الإنسان المذكور في أول هذه السورة . قال قتادة : فلا صدق بكتاب الله ولا صلى لله ، وقيل فلا آمن بقلبه ولا عمل ببدنه . قال الكسائي لا بمعنى لم ، وكذا قال الأخفش : والعرب تقول : لا ذهب أي لم يذهب ، وهذا مستفيض في كلام العرب ، ومنه : إن تغفر اللهم نغفر جما * وأي عبد لك لا ألما ( ولكن كذب وتولى ) أي كذب بالرسول وبما جاء به ، وتولى عن الطاعة والإيمان ( ثم ذهب إلى أهله يتمطى ) أي يتبختر ويختال في مشيته افتخارا بذلك . وقيل هو مأخوذ من المطي وهو الظهر ، والمعنى يلوي مطاه . وقيل أصله يتمطط ، وهو التمدد والتثاقل : أي يتثاقل ويتكاسل عن الداعي إلى الحق ( أولى لك فأولى . ثم أولى لك فأولى ) أي وليك الويل ، وأصله أولاك الله ما تكرهه ، واللام مزيدة كما في - ردف لكم - وهذا تهديد شديد ،